ما أكثر النماذج البشرية التي صادفها الإنسان في الحياة!
وذلك علي جميع المستويات ، وفي مختلف المجالات..ولكن القليل منها هو الذى لا تمحوه الذاكرة مهما طال الزمان.
شاطئ أبو تلات
*هذا نموذج آخر في محيط الجيران ، ولكنه من منطقة أبو تلات ، أو بالتحديد من منطقة الذراع البحرى بالكيلو 26.. حيث قمنا ببناء شاليه متواضع لقضاء أيام الإجازات ..ألا وهو الشيخ محمد شتيوى ، الأستاذ بالتربية والتعليم.
ــــــــــــــــــــــ
الشيخ محمد شتيوى
* عرفته عندما اشتريت قطعة الأرض من أحد واضعي اليد ، وهو المرحوم رزق أبو شليتة ، واشترى هو القطعة المجاورة ، في وقت متزامن تقريبا..* وبينما كنت أنا وأسرتي ـ وما نزال ـ نتردد علي المنطقة علي فترات متباعدة ، بغرض الاستجمام و"تغيير الجو" فحسب ، فقد اتجه هو للاستقرار بمصاحبة أسرته قبل استكمال المباني ، في ظل ظروف بيئية ومعيشية غاية في الصعوبة ، وضرب أروع مثال في القدرة علي التحمل والتكيف ، والعزيمة والإصرار.
"نور البصائرِ والأَلباب في أحكام العبادات والمعاملات والحقوق والآداب"
* اختط لنفسه أسلوبا مميزا في تربية أولاده ، وفق استراتيجية واضحة المعالم ، ارتكزت علي قاعدة متينة من التمسك بالأخلاق الحميدة وتعاليم الدين الحنيف ، بشقيه الرئيسيين: العبادات والمعاملات ، والبعد عن وسائل اللهو والترفيه.
بحيرة المنزلة..تدهور أحوالها بعد تعرض 90% من مساحتها للتجفيف
* كانت له رؤيته المستقبلية للمنطقة ، حيث استثمر جيدا الظروف المحيطة ، سواء في مجال السكن
أو في مجال العمل ، ونجح في الانتقال بأسرته من موطنه الأصلي في مركز المنزلة التابعة لـ محافظة الدقهلية ـ وهو مجتمع صيادين يشكو من الظروف الاقتصادية وقلة الموارد ، إلي هذه المنطقة النائية الواعدة ، بوابة الساحل الشمالي ، والتي تقع علي أطراف محافظة الإسكندرية ، وأصبحت فيما بعد ، وخلال سنوات قليلة امتدادا طبيعيا للتوسع العمراني للعاصمة الثانية للبلاد ..

لقطة مُقرّبة بالموبايل غير قابلة للتكبير
مدخل شاطئ سيلفر بيتش (شاطئ فرج سابقا)..وهو أقرب الشواطئ إلينا
* هذه المنطقة التي سرعان ما تحولت من الاقتصاد القائم علي رعي الأغنام وغرس أشجار التين ، إلي الاقتصاد القائم علي تقسيم الأراضي وبيعها كأراضي بناء ، وما صاحبه من القيام بأعمال السمسرة والمقاولات ، وممارسة الأنشطة الحرفية والتجارية في كافة المجالات..وفي خلال سنوات قليلة أصبحت المنطقة ـ علي جانبي الطريق الساحلي الدولي ـ واحدة من الأحياء السكنية العامرة بالسكان.
ــــــــــــــ
*شاهد موقع إدارة برج العرب التعليمية بالنسبة للحي والمدينة
(ويكيمابيا)
* كما استثمر العجز الذى تعاني منه التربية والتعليم ـ شأنها شأن جميع إدارات الخدمات ـ في مختلف أنواع العمالة ، فتمكن من دخول الإدارة مباشرة دون أية عقبات ، وهو أمر يصعب تحقيقه في الإدارات الأخرى ، وفي نفس الوقت فإن ضغوط العمل ومتطلباته المعروفة في تلك الإدارات لم تكن موجودة في هذه الإدارة بأى درجة من الدرجات ، مما يسر له التفرغ لتلبية مستلزمات الحياة ، ومواجهة مصاعبها في هذه المنطقة المنعزلة.

خطبة الجمعة
* أتيحت أمامه الفرصة لممارسة النشاط الديني المعتدل ، وذلك عن طريق إقامة الشعائر الدينية في أحد مساجد المنطقة ، في إطار الترخيص الممنوح له من وزارة الأوقاف ، بإلقاء خطبة الجمعة ، وإمكانية الإشراف بالتالي علي الأنشطة الجارية في المسجد ، سواء كانت خيرية أو تعليمية ، وذلك في ظل العجز القائم في الدعاة ، نتيجة لتوسع وزارة الأوقاف في عملية ضم آلاف المساجد والزوايا الأهلية علي مستوى الجمهورية.كما استطاع أن يشرك أبناءه واحدا تلو الآخر في هذا النشاط.
* استطاع أن يتعايش مع المتغيرات الجوية وتقلبات المناخ في هذه المنطقة المكشوفة ، وجها لوجه ، الأمر الذى جعل منه ـ شأنه شأن المقيمين في هذه الجهات ـ أصدقاء طبيعيين للبيئة ، دون التعرض لما يعاني منه سكان المدن المزدحمة من أمراض البرد والحساسية وغيرها من الأمراض ، كلما احتكوا بالجو الخارجي.
ولعل انتشار وباء H1N1 المعروف باسم انفلونزا الخنازير ، مؤخرا علي مستوى العالم ، وارتباطه الشديد بالتكدس والزحام ، يؤكد تلك النظرة المستقبلية وصحة اختيار هذه المنطقة للإقامة الدائمة.
هذا الشاب السوري يستطيع حمل 16 شيكارة أسمنت زنة الواحدة منها 50 كيلو غراما
* التمتع بصفة الاعتماد علي النفس بقدر المستطاع ، ومحاولة القيام بأى عمل يتطلبه الموقف ويتيسر أداؤه ، دون انتظار مساعدة من أحد ، وتوفيرا للتفقات في نفس الوقت..ومن ذلك القيام مثلا بحمل شيكارة أسمنت زنة 50 كيلو جراما علي ظهره ، من المستودع الكائن في مواجهة الشارع علي الطريق الدولي ، إلي المسكن ، دون اللجوء إلي العربات التي تجرها الحمير.
* وسرعان ما انتقلت هذه الصفات الشخصية إلي أبنائه ، فما أجمل
أن يستغل الطالب الإجازة الصيفية في مزاولة أى عمل مهما كان شاقا ـ مثل أعمال المعمار ـ نظير أجر يومي زهيد ، لكي يتمكن من معاونة أسرته في تدبير مصروفات الدراسة الجامعية ، وهو أمر يدعو إلي الشعور بالفخر من جانبه ، واكتساب الاحترام من جانب الآخرين.
ـــــــــــــــــــ
* وإلي جانب هذه الصفات والاستعدادات الشخصية ، فإن الشيخ محمد شتيوى يتمتع بحاسة اجتماعية قوية ، تجعله أهلا لاستقبال أى وافد جديد إلي المنطقة ، ومد يد العون إليه ، فاكتسب بذلك صداقة ومحبة الجميع ، وأصبح عميدا للمستوطنين القادمين من مختلف الجهات ـ إذا صح هذا التعبير.
ـــــــــــــــــــــ
{ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً }النساء:36
* حسن معاملة الجار ، والقيام بأداء الواجب الذى يمليه عليه الدين والعرف والتقاليد ، وبصفتي أقرب الجيران إليه ، فقد كان له العديد من المواقف النبيلة نحوى ، مما يجعلني أعتز بهذه الجيرة أيما اعتزاز.

سيارة الكسح ..التي أنقذني الشيخ محمد من التورط في طلبها بدون طائل
* استطاع الإلمام بكافة تفاصيل الحياة في المنطقة ، بحكم الأقدمية المطلقة التي اكتسبها من طول الإقامة والاستقرار فيها ، مما أعطاه أكبر قدر من الحصانة ضد اتخاذ أى قرار عشوائي ، قد تترتب عليه خسائر مادية ، كما جعل منه مرجعا جيدا لكل من يريد المشورة..وقد استفدت شخصيا من خبرته هذه عندما بدأت مياه الصرف الصحي الارتداد في أحد الأوقات من خلال دورة المياه ، وبدأت الاستعداد لاستئجار سيارة الكسح ، لولا مروره بالمصادفة بينما كان السباك يجهز البئر لعملية الكسح ، فأخبرني أن عملية الكسح لم تعد مجدية نتيجة لارتفاع منسوب المياه الجوفية في المنطقة ، وأشار إلي المياه المتجمعة في الأرض الفضاء المقابلة ، قائلا إن هذا هو المؤشر علي منسوب المياة الجوفية.
* مراعاة حرمة الجار علي نحو ما أوصي به رسولنا الكريم ، في الحديث الشريف التالي:
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهُ:أنَّ رسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال :"مَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُل خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ باللهِ والْيوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
والحديث الشريف التالي:
مازال جبريلُ يُوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنّه سيُورّثه. مُتّفقٌ عَلَيْهِ.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: با رسول الله إن لي جارين أيهما أهدى قال: أيهما أقرب إليك بابا
ومن هذا المنطلق ، وبفضل وجود هذا الجار ، يأتي الإحساس الصادق لدينا بالاطمئنان علي بنايتنا المتواضعة وما فيها من محتويات ، طوال فترات غيابنا عن المنطقة ، والتي تطول غالبا ، ولولا وجود مثل هذا الجار اليقظ لاختلف الأمر تماما.
* وهكذا ، وفي خلال نحو عقدين من الزمان ، أصبح الشيخ محمد شتيوى ، أحد أهم الشخصيات في منطقة الذراع البحرى قاطبة ، وخاصة بعد أن من الله عليه ببناء بيت آخر في الجهة القبلية المقابلة من الطريق الدولي ، وافتتاح صيدلية لنجله الأكبر ، واستلام العمل كمدير لإحدى المدارس الإعدادية بالكيلو 26..ويكفي الاسترشاد بأى من هذه المواقع لوصف أى عنوان في المنطقة.